السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الانسان يعرض في حوار مع "القدس العربي" إنجازات حقوق الإنسان بالمغرب

نص الحوار الكامل للسيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مع صحيفة "القدس العربي" :

تتهاطل تقارير المنظمات الحقوقية الدولية تنتقد وضعية حقوق الإنسان في المغرب، والمسؤولون المغاربة يبدون استغرابهم من حجم وطبيعة هذه الانتقادات. لا ينكرون اختلالات هنا أو هناك، لكنها ومنذ سنوات لم تعد منهجية بدون أن يذكروا أن المغرب عرف انجازات هامة في ميدان حقوق الإنسان والحريات، وإذا ما قورن المغرب الحالي مع المغرب قبل سنوات أو قورن مع الدول المجاورة، لسجل نقطة إيجابية.
مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، يجد نفسه، بصفته المسؤول الحكومي الأول عن حقوق الإنسان، هدفا لكل المعنيين بحقوق الإنسان، للمنظمات والهيئات الحقوقية والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان. وأيضا هدفا للفرقاء الأخيرين، خاصة المسؤولين عن النظام العام، في الدولة، لأنه ينظر للملفات بعين المحامي والناشط الحقوقي. وعليه وهو المحامي قبل الوزير (وزير العدل والحريات 2012-2017) ونائب رئيس الحكومة المكلف بحقوق الإنسان (2017 إلى الآن) ان ينجح في إيجاد التوازن الذي يراه صالحا لمستقبل بلاده.
“القدس العربي” تحاور الرميد حول حقوق الإنسان.
*ألا تثير التقارير الدولية، وآخرها تقرير الخارجية الأمريكية، التي تنتقد واقع حقوق الإنسان في المغرب، القلق وحتى الاستغراب؟
**بالطبع فالواقع الحقوقي في المغرب، كما يحفل بمجموعة من التراكمات الإيجابية، تخترقه ممارسات سلبية، فنحن كما قلت مرارا لسنا جنة حقوقية كما أننا لا نعيش جحيما حقوقيا.
وحين تصدر مجموعة من التقارير داخليا وخارجيا تسائل هذا الواقع وتنتقده فليس ذلك بدعا، بحكم أن جميع الدول تخضع للمساءلة، لأن الفاعل السياسي يشتغل على الممكن، أما الفاعل الحقوقي فيشتغل على ما ينبغي أن يكون. وهناك مسافة بين ما هو كائن أو ما هو ممكن وما ينبغي أن يكون، قد تطول أو تقصر حسب التطور الحقوقي في البلد المعني.
إذا كنا نتحدث عن الواقع السياسي المغربي فينبغي ملاحظة أننا في طور انتقال، انتقال سياسي وحقوقي واقتصادي واجتماعي، وكما أن هناك الجانب المملوء من الكأس فهناك الجانب الفارغ منه. ويتحقق الخلل حين التركيز على الجانب الفارغ، وتضخيم معطيات أو تحريفها دون استعراض الجانب المملوء من الكأس، مع العلم أنه ليس كل ما تأتي به التقارير خاطئ في التوصيف والتقييم، ولا يمكن القول في المقابل أن كل ما تأتي به التقارير يعكس الحقيقة، لذلك فإن السلطات المغربية تعمد كلما كان هناك تقرير صادر عن جهة حقوقية وازنة إلى عقد اجتماعات للسلطات المعنية لتقييمه والتعقيب عليه، ويبقى للمتتبع أن يقارن بين التقارير المختلفة سواء تلك التي تنتقد الواقع الحقوقي الوطني أو تلك التي تدافع عنه.
* ردود السلطات المغربية تحمل دائما نوعا من التسخيف والتكذيب لما يرد في التقارير فيما تقدم المنظمات وقائع ملموسة.
**لابد من التساؤل حول مصداقية الوقائع التي تقدمها التقارير ومدى صحتها إذ من حق السلطات أن تجيب، كما هو الحال بالنسبة لكل شخص يتهم اتهاما قد يكون صحيحا وقد يكون خاطئا فيدافع عن نفسه. وحق الدفاع عن النفس، وعن المنجزات مطلوب. وإذا كان أي واقع حقوقي غير منزه عن الاختلالات فإن التقارير بدورها تخترقها اختلالات وغير منزهة، خاصة وأنها تعتمد في توصيف الوقائع وتقديم المعطيات، على ما يروج من أخبار صحيحة أو زائفة في الصحافة، وما تقوله بناء على ذلك المنظمات الوطنية ليصبح بالنسبة لهذه المؤسسات حقائق.
إنني أكن التقدير والاحترام للمنظمات الحقوقية الدولية الجادة خاصة وأن لها أدوارا طلائعية في خدمة الشأن الحقوقي، وهي سند لنا في تطوير واقعنا الحقوقي، غير أن ذلك لا يعني تنزيهها عن الخطأ، لأنه ليس لديها مراسلون محليون يمحصون الوقائع ويقومون بالتحري بشأنها، ويتواصلون مع السلطات ثم يقدمون المعطيات، لتقوم هذه المنظمات بتدقيقها، وفي النهاية تعبر عن مواقف إزائها، وأضيف إلى ذلك أيضا أهمية المنظمات الحقوقية الوطنية الجادة وأدوارها الهامة في هذا السياق التي لا تخفى على أحد.
* قد تضم منظمة حقوقية في تقريرها بعض الاختلالات، لكن أن تجمع التقارير على هذه الاختلالات ألا يؤكد أنه بالفعل هناك خلل في الواقع الحقوقي في المغرب وفي ممارسة السلطات؟
**مرة أخرى أؤكد أني أحترم هذه الجمعيات الحقوقية وأقدر دورها وأولي اهتماما كبيرا لتقاريرها، ولا أنكر أن الواقع الحقوقي المغربي يعاني من العديد من المشاكل والتجاوزات. لكن الوجه الآخر للحقيقة ينطق بأن الواقع الحقوقي المغربي زاخر بالكثير من المعطيات الإيجابية، فإذا قالت المنظمات بما هو سلبي فقط فمن حقي أن أقول انها ليست على صواب تام.
*وظيفة هذه المنظمات ليست أن تصف الإيجابيات وتعددها، ما هو إيجابي فهو مكتسب للمغرب، مهمتها ووظيفتها أن تضع الأصبع على مكامن الخلل؟
**ليس المطلوب هو أن تمدحنا. لا أتحدث بهذه اللغة، أتحدث بلغة التقييم الموضوعي. لا يمكنك مثلا أن تقوم بتوصيف الواقع في الصحراء المغربية في مجال الحريات بناء على منع وقفة احتجاجية لأسباب تعود إلى عدم احترام القانون، فيتم تعميم الحكم على الواقع الحقوقي بمنطقة بكاملها بناء على تلك الواقعة لو صحت، وفي هذه الحالة لو قيل إن المغرب قام بمنع وقفة احتجاجية في يوم كذا وبناء على كذا، لكان ذلك صحيحا ولا تعقيب عليه، لكن اعتماد واقعة أو واقعتين للقول بوجود سياسة ممنهجة للاعتداء على الحقوق والحريات، فإنه لا ينبغي إلا القول بأن الأمر هنا لا يتعلق بعمل حقوقي بقدر ما يتعلق بموقف سياسي.
*لماذا لا تقوم السلطات بالحد من هذا الخلل، ليس هناك تعذيب ممنهج، لكن هناك تعذيب؟ لماذا لا تقوم السلطات بمحاسبة من يقومون بالانتهاكات؟
**لقد وصلنا في ميدان مكافحة التعذيب إلى ما أستطيع وصفه بالمنجز الوطني الكبير. إذ بعد أن كنا نعاني من تعذيب ممنهج واختطاف ممنهج وممارسات تنتمي إلى العصور الغابرة، ولى كل ذلك وانتهى، وأصبحنا أمام حالات تقع هنا وهناك، لكنها في النهاية حالات فردية ومحدودة وبات هناك تراجع واضح ليس فقط لحالات التعذيب وإنما لادعاءات التعذيب أيضا، وهذه الحقيقة لم تتحقق من فراغ، وإنما تحققت بفعل مجهودات مكثفة سواء على صعيد التربية على حقوق الإنسان أو المراقبة لأماكن الحرمان من الحرية أو من خلال المساءلات والمتابعات للأشخاص الذين يقومون بالاعتداء على الحرمة الجسدية للمواطنين في الأماكن المذكورة. واؤكد أن مشروع قانون المسطرة الجنائية (لم يطرح بعد) يتضمن العديد من المقتضيات التي ستحد من العدوان على الأشخاص بأي شكل من الأشكال في أماكن الحرمان من الحرية، كما أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سيشكل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب والتي سيكون لها دور كبير في هذا الشأن بحكم صلاحياتها المقررة طبقا للبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية التعذيب.
*هل التقدم الكبير في الحريات واحترام حقوق الإنسان، جاء نتيجة الضغط الأوروبي؟
**هناك دول كثيرة يمارس عليها الضغط وهي مصرة على ممارسة التعذيب وممارسة خرق حقوق الإنسان، المهم في المغرب أن هناك تطورا في حقوق الإنسان. وأقول وبكل مسؤولية أن ذلك نتيجة تفاعلات مختلفة مع البرلمان والقضاء والمؤسسات الحقوقية الوطنية، كما الصحافة، لكن لا ننكر أهمية المعطى الدولي، وإلا لماذا انخرطنا في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بالنصوص الميثاقية أو المؤسسات، حيث نترافع أمامها ونخضع للحساب أمامها، إذا لم يكن لذلك أي تأثير علينا؟ بالفعل واقعنا الحقوقي هو ثمرة جهود وطنية أولا ودولية ثانيا وهو ما أفرز مجموعة من العناصر التطورية الإيجابية المضطردة.
*أشار تقرير الخارجية الأمريكية إلى أن السلطات تجاهلت ما قاله معتقلو حراك الريف وكذلك الدفاع والمجلس الوطني لحقوق حول مزاعم تعرضهم للتعذيب؟
**بالنسبة لمعتقلي الريف، فإن وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان لا يستطيع أن يتحدث كأي فاعل حقوقي. إن المسؤولية في النهاية تبقى مسؤولية القضاء الذي ينبغي أن يقرر بشأن الموضوع وما إذا كان هناك تعذيب أو لا، وهو مسؤول أمام الله أولا وأمام جلالة الملك ثانيا ثم أمام الشعب للحكم بما هو عدل وحق في موضوع التعذيب وغيره.
وما أقصده هو أن التعذيب الممنهج لم يعد له وجود في المغرب، وأن الاختطاف أصبح صفرا، وهو منجز حقوقي هام جدا، بل وذا بعد تاريخي.
إننا في المغرب نسير في اتجاه التأسيس لوطن حر بالرغم من كل المشاكل التي لا تخفى، وذلك بالقياس مع ما كان، ومع المحيط. نحن في وضع مريح نسبيا وأقول نسبيا لأنني أستحضر الماضي وأقارن بالمحيط في توصيف الواقع الحقوقي الوطني.
*الملف معروض على القضاء، أصبح السند لكي لا يقول المسؤول موقفه. لكن هناك العديد من التقارير تقول أن القاضي يكون في بعض الأحيان تحت الضغط لتبني مواقف خارج القانون، مواقف اجتماعية أو سياسية؟
**إن دور الوزير يقف عند باب المحكمة. وعندما تحدثت عن قضية عبد العالي حامي الدين (القيادي في حزب العدالة والتنمية) على سبيل المثال، فإنما كان ذلك بناء على أحكام قضائية صادرة في الموضوع، ولم أكن أقيم الوقائع، ومع ذلك قامت قيامة البعض مع أني أكبر مناصر لاستقلال القضاء، ودون مبالغة يمكن أن أقول بأنني أناصر استقلال القضاء أكثر من القضاة أنفسهم. يكفي أن أقول أنني ومن خلال الإصلاحات التي تشرفت بالإشراف على إجرائها، أصبح القضاء مستقلا مؤسساتيا تماما. لكن هل سيمارس جميع القضاة استقلالهم؟ هذا السؤال لا يجيب عليه إلا القضاة من خلال أحكامهم.
*من المفروض أن يكون القضاء تحت المراقبة؟
**القاضي يخضع لسلطة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو مؤسسة دستورية، لا علاقة لها بالسلطة التنفيذية وحبل السرة الذي كان بينهما زال إلى الأبد. وبالتالي على القاضي أن يمارس واجبه في ضمان حقوق الناس بنزاهة واستقلالية وإذا حاد عن ذلك، يمكن مساءلته أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية ولا يمكن أن يساءل أمام أي جهة أخرى.
*الرأي العام يمكن أن يسائله أيضا.
**نعم يمكن للرأي العام أن يسائله، لكني أتحدث عن المساءلة المؤسساتية وليس المساءلة الشعبية الموازية، إن للرأي العام أن يقول كلمته، وحينما يقولها فهو حر في ذلك في حدود ما ينبغي أن يكون، لكن المسؤول في السلطة التنفيذية عنده حدود لا ينبغي أن يتعداها. ولذلك عندما تحدثت في قضية الأخ حامي الدين لم أتحدث بصفتي الحكومية وإنما تحدثت بصفتي الحزبية واعتبرت أنني مثل جميع الناس من حقي أن أناقش حكما قضائيا على ضوء حكم قضائي سابق، ومرة أخرى لم أكن أناقش الوقائع التي يختص بها القضاة وحدهم.
*بالعودة لمسألة القضاة ليس شرطا كوزير حقوق الإنسان أن تبوح لنا، لكن يجب أن يكون لك دور أيضا في مراقبة القضاء.
**لا، ليس لي هذا الحق بحكم الدستور.
*أنت مسؤول مكلف رسميا بحقوق الإنسان ومنها الحق في محاكمة عادلة، وعندما نتحدث عن الخروقات أو الانتهاكات نتحدث عنها بالعلاقة مع حقوق الإنسان. قد لا تستطيع بحكم مسؤولياتك أن تقول هذا للصحافة أو في ندوة، لكن لك دور أيضا؟
**الناس يتصورون أن وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، هو الشخص الذي ينبغي أن يطل عليهم من خلال البيانات والبلاغات والتدوينات في كل حادث أو طارئ كما يفعل أي إنسان عادي. وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مطلوب منه العمل أكثر من القول، ولا يتكلم إلا إذا كان الكلام جزءا من العمل يستطيع من خلاله أن يسهم في تطوير الواقع الحقوقي، ودون الدخول في التفاصيل، حينما يقع أي شيء يثير انتباهي بشكل تلقائي أو من خلال تبليغي به، أتواصل مع كافة الجهات المعنية غير القضائية لأثير انتباهها لهذا الخرق أو ذاك، وأحاول ما أمكنني تصحيح المسار. إضافة إلى ذلك أكون دائما حاضرا في اتخاذ القرارات، وطبعا هناك دائما المسؤول عن النظام العام (وزير الداخلية) والمسؤول عن حقوق الإنسان (وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان) وهناك دائما حوار بينهما، يلين أحيانا ويشتد أخرى، ويكون القرار في النهاية لفائدة حقوق الإنسان.
*إذن هناك فعالية؟
**أؤكد أن الحوارات التي تمت بيننا والتي يكون فيها أحيانا نوع من التفاهم وأحيانا نوعا من “التنازع” بحيث يكون الخلاف كما قلت بين قبعتين، قبعة الذي يدافع عن النظام العام وقبعة الذي يدافع عن حقوق الإنسان، أجد التفهم غالبا وأحيانا أجد صعوبات من طرف المسؤول عن حماية النظام العام، وعلى سبيل المثال موضوع وصولات تأسيس بعض الجمعيات الذي ما زال يفرق بيننا على خلاف الكثير من المواضيع.
*قضية الصحافي توفيق بوعشرين، مقلقة خاصة بعد صدور قرار الفريق الأممي حول الاعتقال التعسفي؟
**الملف مرة أخرى أمام القضاء، ماذا تريد مني أن أفعل؟
*التقرير لم يتحدث عن المحاكمة تحدث عن الاعتقال.
**إن الاعتقال قرره القضاء وهو وحده من يقرر رفع الاعتقال، ولا يمكنني أن أقول لكم غير هذا.
*أعادت هذه القضية النقاش حول استقلالية النيابة العامة وأن هذه الاستقلالية أدت إلى “تغول” هذا الجهاز، فبعد أن قالت النيابة العامة في البداية أنه تم اعتقاله في حالة تلبس عادت لتقول إن ما قالته كان خطأ مطبعيا، رغم ذلك استمرت متابعته في حالة اعتقال؟
**ربما أكون من القلائل الذين يدركون جيدا المعطيات ذات العلاقة بالوضع المؤسساتي للنيابة العامة، بحكم أنه كان من مشمولات إصلاح منظومة العدالة خلال الحوار الوطني خاصة على مستوى الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة التي كنت رئيسها، حيث كنت الوحيد الذي دافع عن بقاء النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل بشروط محددة، لكن كان الجميع لحظتها مع استقلالية النيابة العامة وكانت العلاقة مع وزير العدل محط تسفيه وتشكيك، اليوم لما خرجنا إلى وضع جديد وهو الاستقلال التام عن وزارة العدل، وأسطر على هذا، اليوم يتم التشكيك في هذا الوضع والحنين إلى الوضع الآخر. ولو بقي الوضع الآخر لكان أيضا محط الكثير من الانتقادات والكثير من التسفيهات.
الحقيقة أن الوضع الحالي هو الأريح بالنسبة للسلطة التنفيذية. لأنه كنا سنكون أمام نيابة عامة مستقلة فعليا، غير أنها تابعة نظريا لوزير العدل. إذ لو افترضنا بقاء وزير العدل رئيسا لها، لن يكون رئيسا فعليا بحكم أنه ليس عضوا في المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لذلك فإنه في حالة خلافه مع مسؤول النيابة العامة، لا يمكنه إلا أن يرفع تقريرا إلى المجلس للسلطة القضائية الذي في النهاية قد يقره أو لا يقره على شكواه. وبالتالي عن أي رئاسة نتحدث؟ وحتى في الوضع الذي كنا فيه قبل استقلال النيابة العامة، فوزير العدل، وأنا كنته حينئذ، لم تكن لديه سلطة مطلقة على النيابة العامة. وكانت السلطة فقط في التعليمات التي تسمى تعليمات إيجابية. ولم يكن وزير العدل يملك سلطة التعليمات السلبية، أي أن وزير العدل يستطيع أن يأمر بمتابعة فلان أو علان، ولكن لا يملك أن يمنع النيابة العامة من متابعة أي شخص حتى يمكن مساءلته على ذلك.
وينبغي أن نستحضر أن فرنسا ألغت حق وزير العدل في إصدار أي تعليمات خاصة حاليا، حيث لم يبق له سوى التعليمات العامة التي لا يمكن أن تهم شخصا بعينه، وبالتالي فإن وضع النيابة العامة وقعت بشأنه تحولات مؤسساتية عميقة ولم يكن لنا في المغرب أن نبقى في منأى عن رياح التغيير بهذا الشأن.
 لا أستطيع أن أقول إن كل قرارات النيابة العامة في هذه القضية أو تلك مطابقة للقانون وأنها مبرأة من الأخطاء، وليس في إمكاني قول العكس، لأن هذا ليس من حقي ولو لم أكن أتحمل مسؤولية رسمية، لأمكنني الإدلاء برأيي ولأمكنني بالفعل أن أقول أشياء ليس في إمكاني أن أقولها الآن.
*حينما لا تعود وزيرا إذن سنجري معك حوارا.
**عسى أن يكون ذلك قريبا.
*أعود لحامي الدين، كوزير ألا تحس أن هناك ظلما لهذا الرجل، وبعدا سياسيا في هذا الملف وضغطا على القضاء؟
**أرجو أن يكون مصير هذا الملف هو إحقاق الحق تماما كباقي الملفات مما ذكرتم ومما لم تذكروا، وأن يطبق القانون ولا شيء غير القانون، وأنا لا أتصور في ظل الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية المضمون حاليا أن لا يتم الحكم بما يمليه الضمير ولا شيء غير الضمير.
*كنت في جنيف الأسبوع الماضي وكانت المرة السادسة أو السابعة التي تشارك فيها، هل أنت مرتاح الآن للحضور المغربي ولرؤية الخارج للمغرب؟
**عموما صورة المغرب جيدة في الخارج. ليس لنا مشكل كبير مع الدول بل يمكن أن نقول إننا بالنسبة لمحيطنا العربي والإسلامي نحظى بالاحترام الذي نستحقه، حتى من قبل الدول العريقة في الديمقراطية.
وكان لي الشرف أن اجتمعت في جنيف بالمفوضة السامية لحقوق الإنسان (رئيسة الأوروغواي سابقا) وهي سيدة محترمة تعرف المغرب جيدا، وقدمت عرضا أمامها حول التطور الحقوقي في المغرب، غير أنها سألتني عن المشاكل التي يعاني منها واقع حقوق الإنسان في المغرب؟ فقلت إننا ما زلنا نعاني من الخصاص في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالأساس، حيث ما زالت عندنا مشاكل في التعليم والتشغيل والصحة، فقاطعتني وقالت: هل هناك دول لا تعاني من هذه المشاكل؟
*في مجال حرية الصحافة والتعبير تثار الكثير من القضايا التي تتعلق بحرية التعبير، وصنفت مراسلون بلا حدود المغرب في المرتبة 135 وهذا تراجع عوض التقدم؟
**واقع ممارسة مهنة الصحافة في المغرب، وأنتم جزء منها، لا تشكو من معاناة بالشكل الذي يمكن أن تتحدث عنه جهات أجنبية، أليس كذلك؟
*هناك متابعة أربعة صحافيين بتهمة نشر خبر صحيح، شيء غريب؟
**يكفي أن نكون أمام متابعة أربعة صحافيين فقط، وفي حالة سراح، مع العلم أن المتابعة جاءت بناء على شكاية من مؤسسة دستورية وهي مجلس المستشارين، وعلى أساس قانون خاص بلجان تقصي الحقائق يمنع إذاعة مداولاتها، ومع ذلك فلننتظر حكم القضاء.
*هناك آخرون، إذ لا يتابع الصحافيون بقانون الصحافة والنشر، بل بالقانون الجنائي أو قانون الإرهاب؟
**لا يمكن لكل منصف إلا أن يلاحظ أن واقع حرية التعبير في تقدم، رغم كل شيء، ولاحظوا حجم الافتراء الذي يطفح به نوع من الصحافة يوميا عن الحكومة والمسؤولين بدون احترام أدنى شروط الأخلاق المهنية ورغم ذلك ليست هناك مساءلات. أن تكون هناك إشكاليات لصحافيين معدودين فهذا الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، ثم هل هذه المساءلات سليمة أم غير سليمة؟ أنا لا أستطيع أن أدافع عن متابعتهم، ولا أستطيع أن ابرئهم، لندع المحاكم تقول كلمتها وينبغي على المحاكم أن تبرئ بريئهم وبدون تردد، لكن لا أملك أن أصدر حكما على قضاء المحكمة لأنها صاحبة القول الفصل فيه.
*في 1995 كانت وزارة حقوق الإنسان وألغيت وفي 1998 كانت وألغيت، والآن هل للوزارة دور في ظل المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان والمجلس الوطني لحقوق الإنسان؟
**يبدو للشخص الذي يقيم الوضع المؤسساتي من بعيد، أن لا حاجة لهذه الوزارة وأنها غير ذات أهمية، لكن بعد سنتين من وجودي على رأسها، أقول إن هناك هندسة مؤسساتية مصدرها أساسا الدستور، فحينما نتكلم عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فهو مجلس مستقل عن الحكومة، لكن هناك اجتماعات حكومية أسبوعية تتخذ فيها قرارات، يتم خلالها الدفاع عن النظام العام، وإذا لم يكن لدينا وزير حقوق الإنسان أو وزير يدافع عن الحريات فمن ذا الذي سيدافع عن حقوق الإنسان داخل المؤسسة الحكومية، كما يدافع كل وزير عن اختصاصه؟
إن الذين يقللون من أهمية وزارة حقوق الإنسان لا يستحضرون مقتضيات الفصل 92 من الدستور الذي ينص صراحة على أن من مشمولات المواضيع التي يتداول فيها المجلس الحكومي، إضافة إلى السياسات العمومية والقطاعية وغيرها، هناك القضايا الراهنة المرتبطة بحقوق الإنسان وبالنظام العام، فإذا كان وزير الداخلية هو من يتولى الدفاع عن النظام العام فمن يتولى الدفاع عن حقوق الإنسان على مستوى مجلس الحكومة وباقي اجتماعات أعضاء الحكومة؟
سأذهب غدا أو بعد غد، لكن أرى أنه يتعين أن يكون لحقوق الإنسان وزارة خاصة، أو ضمن اختصاصات وزير العدل الذي تخفف من الكثير من المسؤوليات، إذ يصعب أن تبقى الحساسية الحقوقية بدون دفاع داخل المحفل الحكومي.
*والمندوبية؟
**المندوبية تقع تحت إشراف وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، وليس لها أي حضور كمندوبية داخل المجلس الحكومي، لاحظوا أن الخطة الوطنية في مجال حقوق الإنسان مثلا أنجزت منذ سنة 2010 لماذا لم تر النور إلى غاية سنة 2017؟ الجواب هو أن خروجها إلى الوجود كان أولا بمبادرة من وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان وكذلك الشأن بالنسبة لكافة المسائل الحقوقية التي أصبحت على رأس جدول اهتمام الحكومة لأن هناك وزيرا معنيا بها ويحاول أن يجد لها موقعا داخل أجندة الحكومة والدولة.
*قلت قبل أيام “أحن إلى مهنة المحاماة” هل أنت متعب من الوزارة أم هو حنين للمحاماة؟
**لقد قضيت سنوات في مهنة المحاماة وقضيت سنوات في البرلمان وسنوات في الحكومة، لو سألتني أي هذه المهام أقرب إلى قلبي لوجدت أن أقربها لقلبي هي المحاماة. وقد قلت مرة إن المحاماة أعطتني كل شيء، ويمكن أن أقول إنني أعطيت السياسة كل شيء. لذلك تبقى مهنة المحاماة لها موقع خاص في حياتي ووجداني.
*ليس تعبا من الوزارة؟
**يمكن أن تقول كذلك انه تعب من الوزارة، لو قلتها ما أخطأت.
 

المزيد من المستجدات

جميع المستجدات

السيد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان يتلو الرسالة الملكية السامية في المؤتمر الدولي للعدالة بمراكش

ألقى السيد المصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، نص الرسالة الملكية...

وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان توقع على اتفاقية تهدف إلى إدماج بعد حقوق الإنسان في برامج محاربة الأمية

في إطار إعمال تدابير خطة العمل الوطنية في مجال الديمقراطية وحقوق الانسان وانسجاما مع التوجيهات...